ابن قيم الجوزية

568

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فرأس الأدب معه : كمال التسليم له ، والانقياد لأمره . وتلقي خبره بالقبول والتصديق ، دون أن يحمله معارضة خيال باطل ، يسميه معقولا . أو يحمله شبهة أو شكا ، أو يقدم عليه آراء الرجال ، وزبالات أذهانهم ، فيوحده بالتحكيم والتسليم ، والانقياد والإذعان . كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل ، والإنابة والتوكل . فهما توحيدان . لا نجاة للعبد من عذاب اللّه إلا بهما : توحيد المرسل . وتوحيد متابعة الرسول . فلا يحاكم إلى غيره . ولا يرضى بحكم غيره . ولا يقف تنفيذ أمره . وتصديق خبره ، على عرضه على قول شيخه وإمامه ، وذوي مذهبه وطائفته ، ومن يعظمه . فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره ، وإلا فإن طلب السلامة : أعرض عن أمره وخبره وفوضه إليهم ، وإلا حرفه عن مواضعه . وسمي تحريفه : تأويلا ، وحملا . فقال : نؤوله ونحمله . فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق - ما خلا الشرك باللّه - خير له من أن يلقاه بهذه الحال . ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء . فقلت له : سألتك باللّه . لو قدّر أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم حي بين أظهرنا . وقد واجهنا بكلامه وبخطابه : أكان فرضا علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه ، أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم ؟ . فقال : بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه . فقلت : فما الذي نسخ هذا الفرض عنا ؟ وبأي شيء نسخ ؟ . فوضع إصبعه على فيه . وبقي باهتا متحيرا . وما نطق بكلمة . هذا أدب الخواص معه . لا مخالفة أمره والشرك به . ورفع الأصوات ، وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم . وعزل كلامه عن اليقين . وأن يستفاد منه معرفة اللّه ، أو يتلقى منه أحكامه . بل المعول في باب معرفة اللّه : على العقول المنهوكة المتحيرة المتناقضة . وفي الأحكام : على تقليد الرجال وآرائهم . والقرآن والسنة إنما نقرؤهما تبركا ، لا أنا نتلقى منهما أصول الدين ولا فروعه . ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في قطع دابره ، واستئصال شأفته بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 70 ) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 ) [ المؤمنون : الآيات 63 - 74 ] . والناصح لنفسه . العامل على نجاتها : يتدبر هذه الآيات حق تدبرها . ويتأملها حقّ تأملها . وينزلها على الواقع : فيرى العجب . ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا : « فالحديث لك . واسمعي يا جارة » واللّه المستعان . ومن الأدب مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم : أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ، ولا إذن ولا تصرف .